عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

170

اللباب في علوم الكتاب

ذلك الفتون فتنّا ليقولوا هذه المقالة ابتلاء منّا وامتحانا . والثاني : أنها « لام » الصّيرورة أي : العاقبة كقوله : [ الوافر ] 2181 - لدوا للموت وابنوا للخراب * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 1 » فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا [ القصص : 8 ] ، ويكون قولهم « أهؤلاء » إلى آخره صادرا على سبيل الاستخفاف . قوله : « أهؤلاء » يجوز فيه وجهان : أظهرهما : أنه منصوب المحلّ على الاشتغال بفعل محذوف يفسّره الفعل الظاهر ، العامل في ضميره بوساطة « على » ، ويكون المفسّر من حيث المعنى لا من حيث اللفظ ، والتقدير : أفضّل اللّه هؤلاء منّ عليهم ، أو اختار هؤلاء منّ عليهم ، ولا محلّ لقوله : « مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ » لكونها مفسّرة ، وإنّما رجّح هنا إضمار الفعل ؛ لأنه وقع بعد أداة يغلب إيلاء الفعل لها . والثاني : أنه مرفوع المحلّ على أنه مبتدأ ، والخبر : منّ اللّه عليهم ، وهذا وإن كان سالما من الإضمار الموجود في الوجه الذي قبله ، إلّا أنه مرجوح لما تقدّم ، و « عليهم » متعلّق ب « منّ » . و « من بيننا » يجوز أن يتعلّق به أيضا . قال أبو البقاء « 2 » : « أي : ميّزهم علينا ، ويجوز أن يكون حالا » . قال أبو البقاء « 3 » أيضا : أي : منّ عليهم منفردين ، وهذان التفسيران تفسيرا معنى لا تفسيرا إعراب ، إلّا أنه لم يسقهما إلّا تفسيري إعراب . والجملة من قوله : « أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ » في محلّ نصب بالقول . وقوله : « بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ » الفرق بين الباءين أن الأولى لا تعلّق لها لكونها زائدة في خبر « ليس » ، والثانية متعلّقة ب « أعلم » وتعدّي العلم بها لما ضمّن من معنى الإحاطة ، وكثيرا ما يقع ذلك في عبارة العلماء ، فيقولون : علم بكذا والعلم بكذا لما تقدّم . فصل في تحرير معنى الفتنة في الآية معنى هذه الفتنة أن كلّ واحد من الفريقين مبتلى بصاحبه ، فرؤساء الكفّار الأغنياء

--> ( 1 ) صدر بيت لأبي العتاهية وعجزه : فكلكم يصير إلى ذهاب ينظر : ديوانه ص ( 33 ) ، وللإمام علي بن أبي طالب ينظر : الجنى الداني ص ( 98 ) ، شرح التصريح 2 / 12 ، والهمع 2 / 32 ، وأوضح المسالك 3 / 33 ، شرح الكافية 2 / 328 ، الدرر اللوامع 2 / 31 ، وخزانة الأدب 9 / 529 ، والدر المصون 3 / 72 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 244 . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق .